الخطيب الشربيني

411

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

صحيح ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : حملة العرش ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة ، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينه خمسمائة عام . وفي الخبر أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش ، وفي حديث مرفوع أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع ، وروي أن أرجلهن في الأرض السابعة ، وإضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت إليه وليس البيت للسكنى فكذلك العرش ليس للجلوس تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنه الخالق للعرش ولحملة العرش ولا تحيط به جهة وهو العلي العظيم . وعن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية : أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك . ولما بلغ تعالى النهاية في تحذير العباد من يوم التناد وكان لهم حالتان عامة وخاصة ، فالعامة العرض والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء زاده عظما بقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ أي : إذ كان جميع ما تقدم تُعْرَضُونَ على الله للحساب كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للتقريب والإكرام ، والمفسد للإبعاد والتعذيب ، عبر بالعرض عن الحساب الذي هو جزؤه ، والمحسن لا يكون له غير ذلك والمسئ يناقش . لا تَخْفى مِنْكُمْ أي : في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية ؛ لأن التأنيث مجازي والباقون بالتاء وهو ظاهر ، خافِيَةٌ أي : من السرائر التي كان من حقها أن تخفى في دار الدنيا ، فإنه عالم بكل شيء من أعمالكم . ونظيرة قوله تعالى : لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [ غافر : 16 ] . قال الرازي : والعرض للمبالغة في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى عليه خافية ، قال القرطبي : هذا هو العرض على الله تعالى ودليله وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [ الكهف : 48 ] وليس ذلك عرضا ليعلم ما لم يكن عالما به ، بل ذلك العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى اللّه عليه وسلم : « يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله » « 1 » . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 19 إلى 31 ] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 )

--> - 15158 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10 / 264 ، وابن كثير في تفسيره 8 / 239 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 / 346 . ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة حديث 2425 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4277 .